٢٣‏/١٠‏/٢٠١٢

يا جدتي




يا جدتي..
يا طيف أغنيتي التي..
ضاعت هناك..
يا ذكريات حكاية أضحت على وَشْك الهلاكْ..
ضمي إليك صبية الزمن البعيد..

 سألتني ابنة أخي أندلس "هي فين نينا حفصة؟ راحت فين؟ طيب وسابت جدو؟ بس هو كده هيعيط"، وقتها بحثت عن صور لها كي يتذكرها الصغار لكنني للأسف لم أجد لها سوى صورتان فهي لم تكن تحب التصوير.

 كيف لم أكتب سابقًا عن جدتي؟ سؤال ثاني تدفق إلى ذهني ضمن أسئلة كثيرة وأفكار عديدة ملأت فكري وقلبي في أيام العزاء.

 كيف لم أكتب عنها أو أصف وأحكي عنها رغم مكانتها المتميزة في قلوب أفراد أسرتها الصغيرة؟
ماذا يدفعي للكتابة اليوم؟ هل هو حنيني لها؟

 هل نشعر بقيمة الأشخاص أو الأشياء بعد فقدانها؟ أم أن مكانتها لم تكن تحتاج لحديث أو وصف؟

 في أسرتي، كانت جدتي دومًا هناك، تفتح وعينا وإدراكنا عليها كشمس ساطعة لا تغيب أو قمر منير يضيء غسق الليالي.

 بعد ترملها وهي في العشرينات من عمرها، رعت صغيرها ورضيعتها ستة أعوام شاء بعدها الله أن تفقد ابنتها الصغرى بعد أن بلغت السادسة من عمرها، فظلت أمًا وأبًا لوحيدها الباقي ورافقته في كل أيام حياته بعد أن صار زوجًا وأبًا.

 هي أمنا الثانية التي لم تتركنا أبدًا. كانت ترعانا وتنام بجوارنا وتطعمنا. تكاد تمرض إن مرضنا وتكاد تسقط حزنًا إن غضبنا أو حزننا، وتتلقى على يديها ضربات أبي عندما يغضب منا.

أتذكرون أبيات شوقي التي كنا ندرسها

لي جدَّة ٌ ترأفُ بي
أحنى عليَّ من أبي
وكلُّ شيءٍ سرَّني
تذهب فيه مَذهبي
إن غضبَ الأهلُ عليَّ
كلُّهم لم تغضبِ
يمشى أَبي يوماً إليَّ
مشية َ المؤدِّبِ
غضبانَ قد هدَّدَ بالضرْب
وإن لم يَضرِبِ
فلم أَجِد لي منهُ
غيرَ جَدَّتي من مَهرَبِ

 مع الأيام، تفتح وعيي وإدراكي عليها. لم أكن صديقة مقربة لها، لكن العلاقة بيننا توطدت قليلاً في المرحلة الثانوية. كنت وقتها أمكث كثيرًا في المنزل في إجازات مطولة للاستذكار، فكنا نتناول إفطارنا معًا ونشاهد مسلسل الظهيرة معًا. وكنت دومًا أطلب منها ألا تخبر أبي بذلك، وكانت تفي بالوعد شريطة أن أذاكر جيدًا.

 لم أجرب دموع الفراق إلا عندما افترقت عنها وعن أبوي للمرة الأولى، ولمدة عشرة أعوام لم أكن أرها إلا شهرًا ونصف الشهر كل عام، لكنها كانت حاضرة دومًا بصوتها في المكالمات الهاتفية وفي اسمها على لساني وفي خطاباتي لها.

 منذ ستة أعوام عادت لوطنها وقد امتد بها العمر كثيرًا وضعفت كثيرًا، لكنها ظلت في صحة تسمح لها بالحركة، لكن الله قدر لها أن تصاب بكسر في عامها الأخير. واستحالت بعدها إلى طفلة تحتاج إلينا وإلى رعايتنا. تتألم فتتألم روحنا، تطلب فنسرع بتلبية طلباتها. كانت دومًا شاكرة ممتنة. كانت تخجل من الجميع ولا تأمن أو ترتاح لأن يخدمها غيرنا أنا وشقيقتي الصغرى وإن كانت شقيقتي أكثر قربًا منها عني، وأرفق بها مني.

 تدعو لنا بصوت متهدج يمس القلب والروح إذا ما ابتسمنا لها أو قدمنا لها ما تطلبه أو ساعدناها على الوضوء أو طبعنا قبلة محبة على رأسها أو يديها قبل النوم.

 طالما رددت أمنياتها بحياة ابنتها الطفلة لتكون بجانبها في كبرها وعند وفاتها، فكنا دومًا حولها، فهل شعرت بذلك يا جدتي؟ هل أوفيناك حقك؟

 أحاول جاهدة أن أتذكر اليوم السابق لمرضها الأخير، وأتساءل هل كنت شفوقة عليها؟ هل أغضبتها بشيء؟

 لكنني لا أتذكر ذلك اليوم للأسف

 أتذكر فقط صباح الثلاثاء التاسع من أكتوبر عندما أصابتها رجفة مفاجئة وزاغت نظراتها بيني وبين شقيقتي. وقتها فقط شعرت وهي بين أحضاني أنها النهاية. لكن الله قدر أن يمتد عمرها لما بعد ذلك بخمسة أيام ونصف لتلقى ربها ظهر الأحد 14 أكتوبر بين يدي والدتي التي أعتبرتها طيلة عمر زواجها ابنتها لا زوجة ابنها، فكانتا نعم الأم والابنة. خرجت أنفاسها هادئة بعد ستة أيام قضتها طريحة الفراش لا تشعر بمن حولها وقد من الله عليها بأن لم يرها معاناة وحيدها.

 في وقت غياب حضورها عنا وعدم مبادلتنا الكلام، ظل لسانها رطبًا بذكر ربها في ذكر ريفي عفوي بسيط يتردد ما بين "اقبل مني يا رب" و"إنت شفوق ورحيم علي يا رب"، أما في يوميها الأخيرين عندما دخلت في ما يشبه الغيبوبة، كان أصابع كفها الأيمن يتحرك في ما يشبه التسبيح وسبابتها في ما يشبه الشهادة.

 عمرت جدتي طويلاً، وما أظن أن وفاتها فاجأتنا لكن وقع الأمر قاسٍ على الرغم من ذلك. كل ما يخصها أصبح مؤلمًا؛ الدخول إلى غرفتها الفارغة مؤلم، رؤية ملابسها ورائحتها التي ما زالت فيها مؤلمة، حتى بقايا الحلوى التي تربعت في درجها دون أن يُقدر لصاحبتها أن تأكلها بات مؤلمًا.

كل شيء يذكرني بها

 في غسلها بدا أن العاصفة قد هدأت والآلام قد سكنت والروح قد صعدت وبدا وجهها الحبيب منيرًا، وتذكرت كلماتها عن ابنتها الفقيدة، فملت على وجهها الحبيب أقبله وقلت: أنا هنا معك يا جدتي. أنا وأمي ابنتاك اللتان لم تنجبيهما. أما شقيقتي الصغرى فما كانت لتحتمل ذلك.

 مرت عليّ لحظات قاسية ما بين ليلة وفاتها التي عانت فيها من سكرات الموت، وما بين لحظة وفاتها، وما بين وقت غسلها. أما أكثر اللحظات وحشة، كانت لحظة أن عاد الرجال من دفنها فتمثلتها وحيدة بعد أن غادر الأبناء والأحفاد والأقارب وهي التي كانت تخاف أن نتركها وحدها ليلاً، بينما كان دفنها ليلاً. عاد الجميع وبدأ العزاء وقام الناس يشربون ويقدمون بعض الطعام للمسافرين، وهي هناك يبدأ الملكان في سؤالها فدعوت لها بالتثبيت. في بيت القرية، بدت الأريكة التي كانت تجلس عليها أو ترقد عليها فارغة، ومكان صلاتها موحشًا، والفرندة المتسعة التي كان شقيقي الأصغر يعدو هاربًا منها شاهدة على جدة كانت مثالاً لكل طيب. أما لحظة أن خرجنا من منزل القرية عائدين للقاهرة التقت عيناي بعيني شقيقتي فبكينا، لأننا لحظتها شعرنا أننا نتركها تمامًا، نتركها وحيدة للمرة الأولى. أما في بيت القاهرة، فكل شيء يذكرني بها بقسوة، سريرها، ملابسها، أريكتها، كرسي وضوئها، كرسي صلاتها، كل شيء.

 بعد وفاتها بيومين مضيت أشتري لأمي بضع أشياء للمنزل، وعندما عدت أدرت وجهي بحركة تلقائية نحو فراشها لأقول لها كلمتي المعتادة "أنا جيت يا نينا" فارتد بصري خائبًا عن أريكة فارغة وبقايا وجود لم يتلاشى بعد. أما أمس فأمسكت صديقتي بنوع من الشوكولا قائلة أنها تحب هذا النوع، فدمعت عيناي لأنها كانت نوعها المفضل.

 يقولون عني أنني الأكثر جلدًا ويطالبني الجميع بأن أكون أكثر تماسكًا من أجل أبي وأمي وأختي، وأظن أنني من كثرة ما حاولت على مدار عمري أن أكون أكثر جلدًا أصبحت دموعي أحيانًا عصية، وكثيرًا ما أحاول البكاء فلا أستطيع. لكنني أشعر أنني أبكيك بقلبي يا جدتي وسأظل حتى لو صرت جدة.

الأضحى قادم هذا العام بلا طعم ولا لون وأنت غائبة ووحيدك مريض وقلوبنا متألمة

في كل زاوية لك ذكرى هنا
الدار تبكيك مع الأحياء
يأيها الأضحى توقف مرة
إني طلبت فهلا سمعت رجائي
سنؤجل الأعياد عامًا كاملاً
من أجل نجمة تسمو بغير سمائي

٠٥‏/١٠‏/٢٠١٢

بعد الموقعة



بعد الموقعة
فيلم انتظرته منذ أن سمعت عنه، لأنني كنت أريد أن أرى البعد الآخر، أفهم الجانب الآخر، أشاهد الزاوية الأخرى.
يبدأ الفيلم في إطار أحداث ما بعد مارس 2011 وقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ويبدأ بحوار بين ناشطين حقوقين حول أحداث تحرش بفتيات وما يمكن أن تتغير فيه مصر من هذا الإطار في يوم المرأة العالمي.
بعدها وبمصادفة بحتة، تذهب بطلة الفيلم ريم "منة شلبي" مع صديقة طبيبة بيطرية إلى نزلة السمان في إطار مساعدة الصديقة للخيالة في العناية بخيولهم وجمالهم. وتذهب وكلها تحفز لأولئك الذين أسموهم بلطجية ومن هاجموا الثورة والثوار.
هناك تشاهد محمود البيطار "باسم سمرة" وهو يعامل أسوأ معاملة من الأصدقاء ومن موظفي الجمعية التي تقدم لهم العلف بسبب مشاركته في الهجوم على الميدان يوم موقعة الجمل لتؤلمك كلمة الخيال وهو يناشد الطبيب فيقول "خد الحصان بس أكله"، فهو ذلك الشهير الذي ظهر في كل الصور والفيديوهات عن قرب وهو يتلقى الضربات واللكمات والصفعات القاسية الشديدة المتلاحقة.
لسبب غير معروف، تقدم على مساعدته وتكتشف أنه زوج وأب، وتتوالى الأحداث في إطار متسارع مفهوم حينًا وغير مفهوم أحيانًا لتنتهي بمساعدة كثير من الناشطين السياسيين والحقوقين لأهالي نزلة السمان.
مشاهد أعجبتني
المشهد الأول:
 الشجار بين الأب وابنه عندما اكتشف الأب أن ابنه لا يريد الذهاب للمدرسة شجار عنيف وضرب من الأب لابنه، مشهد عنيف يُخفي وراءه حبًا كبيرًا من الأب لابنه الذي يرغب في تعليمه حتى لا يلقى مصيره، وحبًا كبيرًا من الابن لأبيه وهو يرفض أن يصارحه بأن سبب عزوفه عن الذهاب للمدرسة تنكيل زملاؤه به وتجريحهم في شخص والده واتهامهم بأنه "مش راجل".
المشهد الثاني:
 مشهد النقاش بين ريم ومحمود والمصارحة بكل ما في البلد والمكان والمنطقة من مآسي لترى كم تخفي مصر في جوفها من أشقياء تعساء متعبون. مأساة أهالي نزلة السمان لم تبدأ بعد موقعة الجمل، بل هي قائمة منذ أن بنت هيئة الآثار السور الكبير الذي خنقهم في إطار إنشائها لمبنى الصوت والضوء هناك، فحجبوا عنهم الأهرام وأبا الهول فكأنهم حجبوا عنهم الماء والهواء. وتبدو الرسومات التي خطتها أيديهم ظاهرة على السور انعكاسًا لإصرارهم على البقاء في المنطقة.
المشهد الثالث:

 مشهد النقاش بين ريم وزوجها في إطار علاقة عجيبة كلها ضعف وعدم فهم عندما يتهم زوجها أهل نزلة السمان بأنهم "هلاسين" فتقول له ريم "وإنت مش بتهلس؟!". أفراد هلاسين حشاشين لا قيم لهم ولا مبادئ الفارق الوحيد بينهم أن أولئك أبناء طبقة راقية متعلمة، وأن أولئك أبناء طبقة كادحة.
المشهد الرابع:
في الميدان، عندما تعرف هالة إحدى الناشطات أن محمد هو من أهالي نزلة السمان
-          "يا نهارك إسود! مش إنت قلت إنك من الهرم؟!"
-          "وتفرق إيه؟!"
-          "لا تفرق دي غير دي"
الحوار وإن كان في إطار المزاح لكنه كان انعكاسًا لنظريات التعميم والتصنيف التي تعشش في عقولنا وقلوبنا وتمتد جذورها عميقًا.
في أحداث ماسبيرو، تبدو النهاية عندما يذهب محمود لأول مرة مع ريم ويهتف من أجل مصر، ويتلقى طلقة في جنبه لينتهي الفيلم في عربة إسعاف في مشهد أشبه بنهاية مفتوحة تتردد فيها أنفاسه مسموعة مع مشهد صعوده للهرم الذي كان حديث الخيالة في نزلة السمان.

تقييمي للفيلم من حيث إعجابي به أن دون المستوى المتوقع. من وجهة نظري بوصفي مجرد مشاهدة، أعطيه 2 من 5. لم يُعجبني الفيلم في الحقيقة، أو أنني كنت أنتظر أن أشاهدة Master piece لكنني شاهدت فيلمًا غير موضوعي على كل النواحي تقريبًا.
جاءت البداية مع مشهد فج للغاية، جعل صديقتي تشهق بجواري في السينما، والأسوأ أنه كان مشهدًا ليس له أي معنى أو توظيف درامي على الإطلاق.
شخصية ريم شخصية باهتة غير قوية لا تستطيع التعاطف معها أو الإيمان بها على الرغم من تقديرك لما تفعله لكنك في الوقت نفسه لست متأكدًا عن الدافع من ورائه.

بالإضافة إلى أن يسري نصر الله قدم صورة أحادية للثورة والثوار، قدم فقط ثوار الطبقة الراقية الذين لا يتورعون عن إقامة العلاقات وشرب البيرة وتدخين الحشيش والسخرية من غيرهم.

لم أر ثوار الطبقة المتوسطة مسلمين ومسيحيين متدينين وغير متدينين

لم أر ثوار الطبقة الكادحة


لم أر ثوار يجمعون بين المبادئ والقيم التي رأيناها في بعضهم وبصدق
شخصية محمود البيطار شخصية كادحة مسكينة مضللة وكان باسم سمرة جيدًا في أدائها

أجمل شخصية في الفيلم هي شخصية فاطمة أو فاطنة كما تنطقها صاحبتها "ناهد السباعي" فهي شخصية شديدة العمق كما أن الأداء كان رائعًا. قد يبدو الأمر غير مفهوم في تفسير العلاقة بينها وبين ريم خاصة عندما يكتشف المشاهد أنها تعلم جيدًا ما بينها وبين زوجها، لكنني بعد تفكر وجدت أنها حكمة شديدة وحب كبير منها. تفهم كامل أنها لحظة ضعف غبية من زوجها، وتسامح كبير وزائد منها، وأمومة رائعة على ولديها.

وعلى الرغم من ضعفها الشديد تجاه زوجها الذي لا يبرره أنها أعلى منه تعليمًا وأكثر منه حكمة، فقد كانت هي الشخصية الوحيدة التي تنظر للغد وتسعى إلى التغيير.
 

الطفلان كانا رائعين لأنهما طبيعان للغاية وأعتقد أنهما من نزلة السمان بالفعل، خاصة عبد الله الابن الأكبر، وحبهما للخيل الذي يتجلى في مشهد تسللهما ليلاً ليمتطيا حصان والدهما ويختالان به تحت أنظار والدهما المتربصة الباكية.
الفيلم ليس سيئًا لكنه لا يرقى لما كنت أنتظره


٢٦‏/٠٧‏/٢٠١٢

شعر ذهبي


رأيتها
صبية بهية رقيقة جميلة
منكسرة
ذات شعر ذهبي حريري
وعينين بلون السماء الصافية
لكنهما حزينتين، يملؤهما الأسى والترقب والخوف من المجهول
خفق لها قلبي بشدة واعتصره الأسى
ما بال طفولتها مُلأت أسىً وحزنًا بدلاً من الفرح؟
ما بال طفولتها سادها قلقٌ بدلاً من المرح؟  

صعدت لعربة الترام ومعها أمها، امرأة أربعينية تشبهها كثيراً، وإن كان الزمن قد التهم من جمالها الكثير. تمسك بيد ابنتها وتضغطها بحنان لتهون عليها أمرًا ما، والصغيرة زائغة النظرات لا ترى شيئاً تتشبث بيد أمها كأنها طوق نجاة يحميها
على العينين الصغيرتين طبقة كثيفة من دموع حزن، وألم، وانكسار، وخوف.
اقتربت منهما لا أدري بأي دافع؟ هل هو دافع الشفقة أم الفضول؟
لا أدري لم كنت توّاقة لمعرفة سر حزن هذه الصغيرة؟
كان الفضول يلتهمني بشدة
اقتربت أكثر وأكثر وحاولت استراق السمع إلى الهمس الدائر بينهما
- لست الأولى بين إخوتك يا حبيبتي
- لكنني لا أريد
- نحن لا نعرف مهنةً غيرها، فلسنا أغنياء يحمينا المال، ولا أصحاب علم فيرفعنا العلم
- أخاف أن تضربني أو تقسو عليّ
- لقد أكدوا لي أنها شديدة الطيبة وأنها ستعاملك كما لو كنت ابنتها
- لكني أريد أن أبقى معك يا أمي
- سأراك في منتصف كل أسبوع، وستقضين نهايته معنا، والآن أريد أن أراك كما اعتدتك ... شجاعة... وقوية... وأمينة...  أمينة أتفهمين يا صغيرتي؟
لم تقو صغيرتها على الرد فقد غلبتها دموعها الغزيرة، فهزت رأسها الصغير وأدارته لتبعد نظرها عن الوجه الحبيب الذي تخشى أن تفارقه.

 توقف الترام وهبطت. حاولت أن أصرف ذهني عن كل ما حدث. إن لدي مهامًا عديدة قبل عوّدتي للمنزل. كنت أريد شراء هدية لوالدتي، ولعباً لابنتي، وكتباً لي.
ترى هل اشترت لها أمها لعباً يومًا ما؟
هل مارست حقها في اللعب والمرح؟
لم استطع شراء أي شيء. كنت كلما التفتّ لشيء أرى طيفها يلاحقني
رأيت ذات الملامح الجميلة الحزينة
في وجوه الصغار من حولي، وفي واجهات المحال التجارية
عدت لمنزلي شديدة الإنهاك خائرة القوى كما لو كنت أعدو في طريق طويل.
قابلتني صغيرتي واحتضنتي فقبلتها.. وتذكرتها .. تلك الصغيرة لن ترى أمها كل يوم كصغيرتي التي لا تقوى على فراقي.
- أمي لم تأخرت كل هذا الوقت؟ إنّ جدتي تنتظرك هنا منذ فترة
- حقاً وأين هي؟
- في غرفة المعيشة
- أهلاً أمي ... كيف حالك؟
احتضنت أمي بشدة...وتذكرتها
- لم تأخرت يا عزيزتي؟ لقد جئتك بالخادمة الجديدة ...إنها فتاة ممتازة ومهذبة وأمينة
- حقاً يا أمي! أنني في أشد الحاجة إليها، فمنذ تزوجت أمل وتركتنا وأنا أجاهد للتوفيق بين العمل والمنزل.
- ولاء..... تعالي يا صغيرتي
وقدمت ولاء
رأيتها
صبية بهية رقيقة جميلة
منكسرة
ذات شعر ذهبي حريري
وعينين بلون السماء الصافية
لكنهما حزينتين، يملؤهما الأسى والترقب والخوف من المجهول

٢٩‏/٠٦‏/٢٠١٢

عن الإدراك أتحدث

عن الإدراك أتحدث
 كثيرًا ما تبدو الحياة لنا الآن وقد كانت أكثر يسرًا في الصغر، لأنك تعتقد أن كثيرًا من الأمان والمسلمات تحيط بك، ولا تتعدى منغصات الحياة بعض من تأنيب أو لوم على علامات مدرسية أو عدم الموافقة على لعبة غالية الثمن أو نزهة ما، وحينها تبدو بالفعل منغصات كبيرة ومؤلمة وشديدة القسوة.

 ومنذ هذا العمر، ستعتاد على أن تحيط نفسك بكثيرٍ من السعادة والحب والأمان وبعض المسلمات التي ستكتشف مع مرور الوقت وامتداد العمر أنها كانت هالة جميلة خيالية وهمية في كثير من الأحيان، ذلك الوهم صنعته يداك رغبة في الشعور بمزيد من الحماية أو الأمان أو الفخر أو السعادة.

 تتكشف لك معانٍ كثيرة ومفاهيم عميقة لم يكن عقلك الصغير يدركها في طفولتك، ولم يكن النضج الذي تمتلكه كافيًا لاستيعابها في صباك وأولى سنوات شبابك. معانٍ عديدة تبدأ من كثيرٍ من حقائق الحياة، بدءًا من حقيقتك وحقيقة والديك وجديك ومعلميك، الذين غالبًا ما كنت تسبغ عليهم هالة من النقاء وطيفًا من الصفاء والمحبة وكأنك كنت تتصورهم من الأنبياء لتدرك في النهاية أنهم جميعًا بشر يخطئون ويصيبن.

 يتجلى هذا الاكتشاف في معنى الإدراك، إدراك حقيقة كل من حولك وما حولك لتفهم في النهاية أن هناك وجه آخر للحقيقة وراء الكواليس ووراء المظهر الخارجي: حقيقة متسقة حينًا وشديدة التناقض حينًا آخر، حقيقة مليئة بالخير حينًا ومليئة بمختلف أنواع الشرور حينًا آخر، وتجمع بين كل الخير والشر في تباين مريع أحيانًا أخرى.

 يتجلى ذلك الكشف الذاتي في درجة الوعي والإدراك
في معنى احترام الرأي الآخر حتى وإن كنت لا تقبله ولا تراه صحيحًا
في معنى التعايش
في معنى الرحمة والحب والإنسانية والاحترام والتقدير حتى لمن ترى أنهم مسيئون
في تصور اختلاف المفاهيم والمناظير وفهم ظروف الآخر ودوافعه حتى لو لم تتقبلها أو تستطع بها مسامحته
في معنى العطاء الذي لولاه لكانت الدنيا قد فنت تمامًا منذ وقت بعيد

حينها تدرك أنك قد كبرت... نعم كبرت ونضجت وتغيرت.
أنت الآن ترى ما لم تكن تراه من قبل أو ربما ما كنت تغمض عينيك عنه 
لقد كبرت وأصبحت شخصًا آخر تمامًا غير ذلك الطفل البعيد السعيد الغافل
أنا كبرت وأصبحت أخرى غير تلك السعيدة الغافلة

شكر خاص لثورة بدأت منذ عام ونصف ولا زالت مستمرة، كشفت فيها النقاب عن وجوه كثيرة وأفكار عديدة ونفوس نقية وأخرى مريضة وعلمتني بصفة خاصة الكثير. لقد كبرت في هذا العام والنصف أكثر مما فعلت منذ كان عمري 20 عامًا

شكر خاص لكتاب الثورة 2.0 الذي أراني أنني يمكن ألا أكره من أساء إلي وأكره فعله، وأفهم دوافعه حتى لو لم أتفهمها أو أقبلها أو أتفق معها وإن كان هذا ليس أمرًا يسيرًا

شكر خاص لروايات د. عز الدين شكري التي أرتني كيف يفكر الآخر باختلاف أفكاره وطريقه ونوازعه

29/6/2012

١٣‏/٠٦‏/٢٠١٢

الغابة


أتمنى لو أدرك كيف يفكر القاتل؟

بم يشعر وبم يفكر؟ وهل يفكر في الأصل أم يترك نفسه لمشاعر غضب أو تعبئة؟

وبم يشعر المقتول في لحظات موته؟

هل يفكر في الغدر والخوف والألم، أم يفكر في أهله وفي من سيتركهم خلفه إن كان له صغار؟

أحيانًا أتمنى لو لم أكن إنسانًا

أتذكر جيدًا قصة قصيرة رائعة بعثها أحد قراء د. نبيل فاروق من الشباب، وكان ينشر بعض كتاباتهم في نهاية أعداد كوكتيل 2000

كان الكاتب يتمنى لو لم يكن إنسانًا

لو كان عصفورًا حرًا لا يهتم سوى بقوت يومه ولا يحمل همًا أو حقدًا

أو لو كان زهرة تتفتح في الشمس وتضفي العبير على ما حولها ومن حولها

أو لو كان وكان وكان .... إلا أن يكون إنسانًا يكره ويحقد ويحسد ويغضب ويقتل

منذ عام ونصف- ومن قبلها بكثير لكن الأمر كان أبعد- ونحن نحيا وسط الموت والقتل والدماء والإصابات والحزن والدموع، لكنني مع ذلك لم أكن أدرك معنى أن يحدث ذلك لقريب منك

في رواية باب الخروج، جاء على لسان علي بطل الرواية مرتين كم تتعجب إذا ما قُتل قريب منك وأنت الذي تقرأ مرارًا عن أعداد من القتلى والضحابا وربما تكتب عنهم كأرقام دون ان تدرك المعاني والقصص من بعده

حياة أسرة كاملة تتغير بسبب غباء شخص أو أشخاص أو نظام

هو قدر الله ما في ذلك شك، لكن هل نحيا في غابة؟

كنت أقوله بصيغة استنكارية لكنني أدرك الآن أننا بالفعل في غابة، وأن إقناعي لنفسي أن الحياة يجب أن تكون أفضل وأرقى هو من قبيل الكذب على النفس

سنجعل بلادنا أفضل لكن ستظل هناك نفوس تظن أنها في غابة وتطارد من حولها باعتبار أنها الأسد وأن من حولها الغزلان

منذ بدء التاريخ وبدأ القتل، فقتل قابيل هابيل بدافع من حقد وحسد على الرغم من أنهما ابنا نبي

قابيل ....ربما نكون من سلالته

ثم توالت الأجيال والحضارات والأزمان وتوالت قصص القتل

أيام سيدنا ابراهيم عليه السلام وما فعله به قومه

سيدنا عيسى عليه السلام

قصص يتهم بها مسيحيون متعصبون كقصة هيباتيا

سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام

مقتل سيدنا عمر أعدل حاكم في المسجد

مقتل سيدنا عثمان صهر النبي وهو يتلو كتاب الله على يد مسلمين ظنوا أنهم يرفعون راية الحق

مقتل سيدنا علي صهر النبي وأبو سلالته

مقتل سبط النبي الحسين والتمثيل بجثته

مقتل سيدنا عبد الله بن الزبير

قيام الدولة الأموية على دماء وأشلاء

قيام الدولة العباسية على دماء وأشلاء حتى سُمي مؤسسها بالسفاح

قصص ظلم وقتل يتهم بها مسلمون متعصبون خاصة في الدولة الفاطمية


و.....و.....

ومع كل ذلك الألم، يظل هناك أمل وتظل هناك مشاعر حلوة

يظل هناك أشخاص يؤمنون بالحق والخير والجمال

يظل هناك من يحملون الخير لغيرهم حتى للكارهين والحاقدين والمغيبيين

يظل هناك من يفني عمره من أجل الحق

يظل هناك من يرى الضياء

يظل هناك من يستحق أن يُسمى إنسانًا

لسه في عيون قادرة تشوف الضي

http://www.youtube.com/watch?v=BwhWA1-ACss

الحمد لله أنني ما زلت منهم

٣٠‏/٠٥‏/٢٠١٢

حتى ليلكم الطويل هو أولى نهاراتنا


عزيزي المصري غير المؤمن بالثورة والباحث عن الاستقرار
عزيزي المصري المؤمن بالثورة والباحث أيضًا عن الاستقرار
عزيزي المصري المؤمن بالثورة والباحث عن الحرية والنهضة
عزيزي المصري البسيط الباحث عن قوت يومه
عزيزي المصري المهاجر
عزيزي المصري المتفائل
عزيزي المصري المكتئب
عزيزي المصري الخائف
عزيزي المصري الثائر
عزيزي المصري الشهيد
عزيزي المصري المصاب
عزيزي المصري المعتقل
عزيزي المصري المبعد
عزيزي المصري المسلم
عزيزي المصري المسيحي
عزيزي المصري الكهل
عزيزي المصري متوسط العمر
عزيزي المصري الشاب
عزيزي المصري الضابط والجندي
عزيزي المصري المدني
عزيزي المصري الرجل
عزيزتي المصرية المرأة
عزيزي المصري الشريف
وأنت أيها المصري السارق أو المفسد أو القاتل يا من لا أستطيع أن أقول عنك عزيزي على الرغم من أنني لا أكرهك أنا فقط أرثي لك.

 هل تعلم أنني أفكر فيك... كل يوم.
نعم كل يوم...

 لا أبالغ!.. أنام وأصحو على وجهك. تراودني وجوهكم جميعًا في صحوي ومنامي، في عملي ومنزلي، بين أصدقائي ووحدي.

أفكر فينا جميعًا وأتساءل ماذا فعلنا في أنفسنا؟
هل ضيعنا تلك الزهرة الندية؟
أم أنها لم تكن نبتت بعد واستعجلنا قطافها

تتدافع الكلمات على ذهني كشلال هادر لا أقوى على ترتيبها لكنني سأحاول
هل أنت محبط وحزين أم راضٍ وسعيد، مكتئب ومتشاءم، أم متفاءل؟
هل جلست مع نفسك وراجعت أخطاءك التي أوقعتنا جميعًا في هذا المأزق؟
نعم أنت
أنت سبب ما نحن فيه
أراك تراجعت إلى الخلف مندهشًا وأنت تقول أنا؟
وهل أنا وحدي من فعلت، وأنتِ ألم تفعلي شيئًا؟
بلى يا عزيزي أنت وأنا وكلنا، كلنا مارسنا الأخطاء ذاتها بذكاء منقطع النظير، ثم نصحو ونتبادل الاتهامات كأننا لم نفعل شيئًا

كتبت أفكر ماذا فعل الإخوان؟ فوجدتها قائمة طويلة. ماذا فعل اليسار والليبراليين؟ فوجدتها أيضًا قائمة طويلة. ماذا فعل الثوار؟ قائمة طويلة. الإعلاميين، الشباب على النت، المفكرين، المحللين، الناس في البيوت، المجلس العسكري، الجيل القديم والجيل الحديث.
قل لي اسمًا واحدًا لم يخطئ طيلة العام والنصف السابق. أرأيت يا عزيزي!

تعال لنرتب أوراقنا ونجلس فأسامحك وتسامحني لنبني هذا البيت قبل أن ينهدم على رأسي ورأسك، هلا نفعل!

لكن الكبر والغطرسة وضياع الهدف يأبى، أسبوع  كامل مر على انتهاء الجولة الأولى دون ثمرة واضحة ملموسة والساعات والأيام تتسابق، وأراهم في الخلف يضحكون على ترنحنا كالسكارى، بل أكاد أسمع الضحكات تتعالى من خلف القضبان.

أنت تعيش الآن أسوأ كوابيسك وتأبى ساعة اليقظة أن تأتي
أدرك أنك تعيش لحظات رعب رهيبة، وأدرك جيدًا أن الرعب كلما زاد أطار الحكمة والقدرة على التفكير السليم.

في كل يوم أصحو على فكرة

في مرة ألوم نفسي أن أعطيت صوتي لألف، أما كان الأولى باء، ثم أعود فأقول انظري إلى باء وكيف يتحدث؟

كفاك لومًا لنفسك ولي وله ولها

أرجوك تعلم أنه لا ملجأ منه إلى إليه

كلنا نحتاج إلى تربية ولذا فقد آن أوان التربية

أمس قالت لي سيدة فاضلة ألا ترين أننا نشبه المسلمين في غزوة أحد حينما لاح لهم النصر فتركوا المعركة وانصرفوا إلى الغنائم فدارت الدائرة عليهم. نعم صدقت والله.

تعلموا فقد تعلم المسلمون وقتها درسهم وتابوا وثابوا إلى رشدهم
تعلموا

فكروا بهدوء وتيقنوا أن صلاح البلاد من رب العباد وليس من العباد وإن كانت البداية منهم، فقد قال: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

حين أدعوه أقول لقد بدأنا يا الله فكن معنا ولا تكن علينا

أعلم أن التغيير الحقيقي للبلاد لن يحدث إلا بتغيير عقول العباد، وهو أمر يتطلب كثيرًا من الوقت

أدرك أننا حزانى بل إنني أشعر أحيانًا أن قلبي يكاد أن ينفطر، لكن الحزن لا يقيم راية

حينما أفكر في المصابين والمعتقلين وأمهات الشهداء وأهاليهم أدرك أن حزني لا يساوي شيئًا

أفكر في سورية وفلسطين الصابرتين المكلومتين وأرى جيدًا الصورة "لو كل إنسان جلس ووضع حزنه فوق رأسه لتوقفت الدنيا للأبد"

ألست ممن يلومون جيل الآباء ويردد جيل خذلنا بصمته ويقتلنا بصوته؟ إذا كنت تلومه حقًا فلا تفعل مثله وتضيع عند الهزيمة في الجولة الأولى فلو ترك المسلمون ضعفهم يخنقهم ما انتصروا فيما تلا أحد من غزوات

وإن كنت تدرك الأمر حقًا لأدركت إن ذلك الجيل نفسه هو من استطاع بعد ست سنوات أن يعبر القناة ويسترد سيناء، لا أنكر إن بعضًا منهم أكمل عمره شاعرًا بالهزيمة، لكن ألست الآن على وشك ذلك إن لم تتصبر وتستعن بالله

لا تنتظر قرار مرسي أو حامدين أو أبو الفتوح
لا تنتظر قرار القوى السياسية أو الثورية

لا تنتظر شيئًا

فكر وضع معاييرك التي لا تقبل بأقل منها

ضع لها أوزان وأفكار

استخر وابتهل ليلك ونهارك

واذهب إلى المقار الانتخابية

لا تقاطع أستحلفك بالله

إن ألهمك الله الرأي فاذهب وأعط صوتك لمن تراه أقل ضررًا من الآخر.
وإن لم يلهمك الصواب فتأكد من إبطال صوتك وامنع التزوير على الأقل.

لا أستطيع أن أملي عليك من تختار ولا أستطيع تحمل وزر الأمر وأيًا ما كانت النتيجة لا تيأس لأننا مستمرون.

إذا سألتني سأجيب

سأقول أنني أعطي صوتي لمرسي لا لأنه الأفضل لكن لأنه الأقل ضررًا

أخاف من كليهما لكني لن أعاقب نفسي وأعاقب الإخوان بما يمكن أن يفعلوه كجحا الذي ضرب طفلته كيلا تُسقط جرة العسل

سأعاقب من فعل قتل بالفعل

لن أخاف ممن سوف يفعلون
بل ممن فعلوا

وفي الحالتين أنا معارضة قوية ستمنع الظلم والظالمين

لن أعطي صوتي لمن قتل إخوتي ومن يهدد بقتل البقية ويتباهى بأن مجزرة العباسية بروفة

إن كلمته دليل على أن المجلس العسكري متورط إلى أذنيه وأنه يلقى الدعم منهم

لن أعطي صوتي لمن يرى مبارك في محبسه أنه الأجدر وترى سوزان أن المصريين أدركوا مدى الظلم الذي تعرضوا له فأعطوا الصوت لشفيق

إذا كنت ترى أن الدولة المدنية عكس الدينية فانتخب شفيق وانعم بها واصبر أيضًا فلن يتأتى الاستقرار بسهولة

وإن كنت ترى أن الدولة المدنية عكس العسكرية فانتخب مرسي واصبر على إزالة الركام والأنقاض والخراب الذي طالنا 60 عامًا

ويا من تبحث عن الاستقرار

اعلم أنه لن يأتي قبل سنوات وأن الرئيس الأول أيًا كان لن يكون ساحرًا

نسأل الله أن تكون الفترة القادمة أقل عنفًا من السابقة

لقد تخطينا فترة صعبة وأمامنا مثلها وإن اختلفت في شكلها، إن كنت قد تعبت فلا تتحدث مرة أخرى عن الحرية والنهضة والتغيير، لأن تلك المفردات لا تتواءم إلا مع الصبر.

إن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وهو رسول الله وحامل رسالته المؤيد بالقوة الإلهية لم يستطع التغيير الجذري إلا بعد 23 عامًا، 13 عامًا قضاها في عذاب وخرج بقلة آمنت به، و10 أخرى قضاها في محاربة المفسدين، ليعلمنا الله أن الثمار لا تنضج إلا بالرعاية والسقاية والصبر.

في كل قصص الأنبياء والصالحين والمفكرين والعظماء والقادة ستجد أن الوقت كثير والصبر وفير. إذا كنت هرمت، فتنحَ أرجوك، وجد لنفسك وطنًا آخر متقدمًا تستطيع أن ترتاح فيه فمثلك لا يستطيع الصبر. لا توجع قلوبنا فهي مترعة لكننا نحاول أن نترفع عن حزننا ونسمو فوق اختلافاتنا.

لا تدافع ولا تلم أحدًا، بل لا تلم حتى نفسك فكلنا حديثو عهد بحرية، لكن أرجوك تعلم من أخطائك وأخطاء غيرك. اكتبها بحيادية وموضوعية. جد مخرجًا وكأنك وحدك المسؤول وتوكل على الله وأقدم.

لو فعل كلٌ منا ذلك بعد تفكير عميق واستخارة واستشارة من يثق في آرائهم فسيكتب لنا الله النجاة.

أثق يقينًا أن الله سيظهر الحق وسيخذي الظلم والفساد والظالمين والمفسدين وسيرنا فيهم عجائب قدرته.
أثق يقينًا أنه مهما بلغ مكرهم فمكر الله خيرٌ مما يمكرون وأنهم لن يعجزونه.

تفاءل فقد استطعنا بعون الله من قبل ومن بعد أن نغير كثير من المفاهيم في عام ونصف، لكن النجاح لن يأتي إلا بالصبر مع العمل.

أرسلت لي صديقتي تذكرني بأن أستمع لأغنية علي الحجار بنتحدى، وأنا أدعوكم للاستماع إليها وكتبت لي ألا أنسى أننا في طريق كله تحديات
بنتحدى ضياع أمة .. بنتحدى نفوس سامة
باسم الحق تتسمى
بنتحدى


نعم والعياذ بالله إنها نفوس سامة تود لو تسمم الهواء من حولنا

هل أطلت عليكم؟

إن كنت لا تزال قادرًا على القراءة، فاقرأ مقالة الكاتبة بحرينية تدعى خولة مطر والتي عثرت على مقالها قدرًا على الرغم من أنني لم أقرأ لها من قبل

ما الذي جعلني أقرأ لها؟ لا أدري

نزل مقالها علي كماء بارد في يوم حار وأنا عطشى
لا أزال أذكر حروف الكلمات المتداخلة وسط دموعي وأنا أقرأ

كلما ازداد الليل ظلمة راحت كلماتهم تسخر لحظة أو تنثر الغضب الساطع.. إلا أنهم لم يدركوا كم أنهم صانعو تاريخ هذا الوطن الكبير.. لم يفرحوا بطوابيرهم الممتدة وحماسهم اللامتناهى لديمقراطية طال انتظارها.. لم يمنحهم الوقت وقت للفرح.. فيما كل الأعين العربية المتطلعة صوبهم تنظر لهم بشديد الفرح والأمل، وتقول لهم: "يبقى حتى ما تتصورونه ليل طويل هو مشكاتنا وأول نهاراتنا القادمة".


هل تريدون أن تخيبوا أمل الجميع لأنكم تعبتم ولم تعد لديكم القوة على الصبر؟

نعم أيها المصري العزيز الأبي الشجاع القوي، قدرك أن تتحمل آمال الجميع لأن قدرك أنك ولدت مصريًا

وأنت يا من انتخبت حامدين وابو الفتوح وخالد علي

أنت بالفعل كنز الثورة الحقيقي


أنت بالتحديد لا أريدك أن تيأس أو تتعب أو تولي ظهرك لوطنك الأسير تحت ركام الظلم والفوضى

أنت بالتحديد أريدك أن تستعيد روح الـ 18 يومًا

أقرأ الآن في كتاب الثورة 2.0 لوائل غنيم لأستعيد تلك الروح الأبية الوطنية المتعاونة الشجاعة المقدامة التي ملأت قلوبنا وصدورنا في وسط جميع ميادين مصر والطائرات تئز فوق رؤوسنا ونحن نهتف روحوا قولوله مش هنمشي هو يمشي

هل ستمشي وتترك كل ذلك وراءك؟