08‏/04‏/2009

طفح الكيل




تعرف الكوميديا السوداء بأنها دراما تتسم بمشاعر أسى أو صراع بين شخصيات العمل في عمل ضاحك يؤدى بنبرة ساخرة، أو أنها نوع من الدراما الساخرة مليئة بفقدان الأمل والعبثية، بل بنوع من اليأس من إمكانية عمل أي شيء، هي إذن ألم الضحك أو الضحك على الألم ومن الألم.

في كتابه الأول "يوميات مدرس في الأرياف" يصيبك حسام مصطفى بحالة تجمع بين الحزن والضحك والغضب. تضحك من قلبك وبصوت مرتفع على النوادر التي تملأ الكتاب وعلى أسلوب حسام الرائع، وتحزن من قلبك على عقول التلاميذ الخاوية وعلى المدرس المكافح المطحون، وتغضب أيضًا من قلبك على كل هذه الأوضاع المخزية.


وبنفس هذه المشاعر يخرج المشاهد بعد مشاهدة فيلم هنيدي الأخير "رمضان مبروك أبو العلمين حمودة". الفيلم في رأيي أكثر من رائع، ليس للكوميديا الجيدة التي افتقدتها أفلام هنيدي في السنوات الأخيرة فحسب، وإنما لعمق وصدق الرسالة التي نخرج بها من الفيلم. يخرج الجمهور من الفيلم وقلبه يجمع مشاعر شديدة التناقض؛ شعور مبهج بعد ضحك شبه متواصل دام لأكثر من ساعة، وشعور شديد بالحزن لما آل إليه حال التعليم، وشعور بالغضب من الدولة أو الحكومة اللي باعت القضية وباعتنا قبلها.

المثير في الفيلم أن المشاهد يرى وجهي العملة: المدارس الحكومية بما فيها من ضعف الإمكانات، والتزام قبيح بالقوانين الغبية المهترئة، وامتهان للمعلمين من المسؤولين، ثم امتهان التلاميذ من المدرسين وممارسة الضرب العنيف والمبرح والوحشي الذي لا تخلو منه صفحات الحوادث بين الحين والآخر، والوجه الآخر الذي يتمثل في المدارس الأجنبية الراقية بكل ما فيها من إمكانات ومناهج جيدة، وما فيها أيضًا من تكالب مسعور على الربح بالدرجة الأولى، وإضعاف هوية التلاميذ كغرض استعماري أساسي.


تذكرت الآن كل هذا بعد مشاهدتي وقراءتي أخبار مطبوعة ومرئية مخزية. الخبر الأول كان منذ يومين في برنامج الحياة اليوم، وكان يستضيف مجدي الجلاد رئيس تحرير المصري اليوم مع ضيفين آخرين، وبلال فضل بمشاركة على الهاتف، وكان الموضوع الرئيسي هو خبر تخصيص وزارة الدفاع ميزانية كبيرة لصالح الجامعة الأمريكية بالقاهرة وما في ذلك من إشارة واضحة للوجود التجسسي والاستعماري للجامعة، ومنه تطرق الموضوع إلى التعليم الأجنبي في مصر الذي يعمل على محو هوية الأبناء الذين تساهم الحكومة بنصيب الأسد في إضعاف هويتهم وانتمائهم للبلاد المنكوبة.

تحدث بلال فضل عن أن مناهج بعض المدارس تدرس التاريخ البريطاني والفرنسي بدلاً من التاريخ المصري، وأخرى لا تسمح للتلاميذ باصطحاب مناهجهم الدراسية وكتبهم إلى خارج المدرسة، حتى يأتي اليوم الذي يصبح الأبناء فيه كالغربان البيض، فلا هم يشعرون بانتمائهم للوطن ولا يشعر أبناء جلدتهم أنهم منهم، ولا يشعرون بالانتماء والانخراط التام في مجتمع الآخر الذي سيظل ينظر إليهم على أنهم غرباء.

والخبر الثاني عن انتحار تلميذة بالإعدادية حتى لا تذهب للمدرسة، والثالث عن إلقاء طفلة في الإبتدائية بنفسها من نافذة الفصل خوفًا من ضرب مدرستها الذي يتكرر يوميًا.

أما الخبر الرابع فقد كان ينتظرني هذا الصباح في الحياة اليوم أيضًا، حيث نوقشت قضية مديرة إحدى مديريات التعليم بالدقهلية التي استنكرت ضرب أحد المدرسين لتلميذ بالخرطوم، فما كان منه إلا أن اعتدى عليها بالسب والإهانة وعندما صعدت الموقف شهد الجميع مع المدرس خوفًا على سمعة المدرسة.

إلى أين يذهبون بنا وبأبنائنا؟

إلى أين يسير هذا المجتمع؟!!!

هل نسير نحو الذروة التي يأتي بعدها الانفراج أم نهوي وبسرعة هائلة نحو الهاوية؟

هناك 7 تعليقات:

حسام مصطفى إبراهيم يقول...

التعليم في مصر أصبح ماء مالحا، كلما شرب منه الطالب ازداد ظمئًا، ولعل كل المصائب التي ترف على أدمغتنا اليوم، هي الثمرة الطبيعية والوحيدة، لفشل نظام التعليم بالكامل!.. لكن المشكلة في اللي جاي.. واللي أكيد هيبقى أسوأ!!
تسلم ايدك

عصفور طل من الشباك يقول...

شكرا أوي يا حسام

مقالك الأخير بتاع أبو بلاش عجبني جدا

إسلام عوض يقول...

موضوع جميل.. تسلم ايدك

هبة المنصورى يقول...

فاكرة لما كنا بنتغدى سوا ف كوك دوور يا روبي- على فكرة كانت غدوه حلوه- وجبنا سيرة التعليم الأجنبي.. والمشكلة بقى إن اللي بيتخرجوا م المدارس الأجنبية بيبقوا لا حصلوا عنب الشام ولا بلح اليمن.. يعني لا اتعلم تاريخ بلده ولا اتعلم تاريخ بلاد تانيه.. الحدوته بقت كلها حدوتة ماسخه والفلوس بقت البطلة الرئيسية في حالة المدارس والجامعات الخاصة.. أما كل ماهو حكومي فماشي بالبركة- بركة ربنا وستره وبعض الضمائر اللي لسه ماغلبهاش النعاس

عصفور طل من الشباك يقول...

شكرا إسلام نورتني

عصفور طل من الشباك يقول...

بوووبا

وحشتني خروجاتنا جدا

شكرا على تعليقك

علي جاد يقول...

كلامك ممتاز يا عصفور لأنه جى على هوايا وبأحلم زيك بمجتمع واعى بمتغيرات العالم من حولنا وبيعرف يطور ويتقدم ..
أنا سعيد بمدونتك .. لكن مش سعيد إنك اتكلمتى عن مقال حسام عارفة ليه ؟ علشان كل ما أفتح علبة ألاقيه فيها ..قصدى كل ما افتح مدونة
أتمنى التواصل